من أوراق رجل نادم – حرب 2003

من أوراق رجل نادم – الجزء الأول – حرب 2003

عقلية ساذجة حالمة باقتناء الموبايل والستلايت بحرية !!!

كنت شابا يافعا في عام 2003 عندما دقت الحرب طبولها و انتابتني حينها مشاعر مختلطة لكن بالتأكيد لا اخفي الشعور بالحماس الذي تملكني مع اغلب اصدقائي لمجرد التفكير بان نظام صدام سوف يزول، اتذكر حينما كنت صغيرا جدا كنت افرغ جام غضبي على قصاصات من الاوراق اكتب فيها اسم صدام و عدي و قصي وباقي المقربين منه و اكتب اسفلهم الشتائم ثم الفها و ارميها من شباك السيارة عندما اكون مع والدي (من دون ان يعرف بالطبع)، هذه كانت وسيلتي الطفولية للتعبير عن غضبي وكرهي لصدام . كنت متأثرا بالدعاية الامريكية والعربية و العراقية التي ملأت عقولنا بان صدام دكتاتور جلّاد و انه سبب دمار العراق و هلاك الشعب و سبب حرماننا من ابسط حقوقنا، الدعاية التي كانت تبث اذاعيا وتلفزيونيا من كل حدب وصوب باتجاه شعب العراق المحاصر لمدة 13 عام. مرت السنوات وعلى ما يبدو قد جاءت ساعة الحسم و “تحرير العراق” بات وشيكا، كنت انتظر خطاب الرئيس الامريكي (جورج بوش الابن) المرتقب الذي سيطلق من خلاله شارة الحرب، جلست في غرفتي وحيدا في الطابق العلوي مع الراديو الذي يبث اذاعة راديو سوا (وهي اذاعة امريكية موجهه نحو العراق بدأت بثها قبل الحرب بسنوات قليلة) وبالفعل استمعت الى الخطاب ببث مباشر، اذكر كانت الساعة الواحدة منتصف الليل تقريبا وان بوش طلب من صدام ان يغادر العراق مع ولديه وعائلته خلال 3 ايام او انها ستكون الحرب الشاملة و غزو بغداد، لكن بوش أمر بالفعل ببدأ عمليات عسكرية بنفس اللحظة، اتذكر صوت الترجمة الفورية الى اللغة العربية لا تفارق ذاكرتي ابدا وكان هذا الخطاب بهذا الشكل.

غفوت وانا انتظر صوت أول غارة جوية على بغداد، حيث اعتادت اذناي على سماع مثل هذه الاصوات كثيرا. فجرا ايقظتني والدتي وقالت لي ان الحرب قد بدأت وان علينا النزول للطابق السفلي، ولمن لا يعرف تقاليد الاجراءات المتّبعة في حروب قصف المدن فأن اولها هو ان تنزل العائلة في الطابق السفلي وتبتعد عن النوافذ، كان هذا اليوم الاول من الحرب حيث كان القصف غير مركزا وكانت الانفجارات بعيدة ومتقطعة على عكس المتوقع وبدأ بالتصاعد تدريجيا بمرور الايام.
اتذكر عندما كنت اذهب الى بيت صديقي على بعد كيلو متر واحد من بيتنا وسط اصوات الغارات الجوية والانفجارات وغضب الاهل وسخطهم، كنت عنيدا لا اتقبل ان يوجهني احد و كنت اغضب من خوفهم الزائد ولم ادرك ما هو شعور خوف الاهل على ابناءهم الا بعد ان رزقت بابنتي الصغيرة و عرفت حينها شعور اهلي نحوي و خوفهم واعطيتهم الحق، لكن متأخرا جدا بعد ان شاب شعر رأسهم مبكرا بسبب رعونتي و عدم احساسي بهم. اتذكر كيف انني كنت اذهب الى الشارع الرئيسي في المنطقة لارى بفضول عمليات النهب والسلب التي جرت بعد سقوط بغداد.
مرت الايام سريعا و سقط نظام صدام و “تحررت بغداد” من النظام البعثي الصدامي و جاءت افواج المعارضة التي جمعتهم امريكا في المؤتمرات منذ سنوات تمهيدا لهذا اليوم، جاء من كنت استمع لهم عبر الراديو و عبر قنوات “سحر” و قنوات “المجلس الاعلى” التي كانت موجهة من ايران للعراق وكنت التقطها بشكل سرّي خوفا من اجهزة امن صدام. كنت متحمسا لافكارهم، الحرية العدالة العلمانية و التطور، كانت لدي قناعة بأن امريكا ستجعل من العراق يابان و المانيا ثانية في سيناريو شبيه لاعادة الاعمار التي جرت لتلك الدول، كنت انخرط في جدالات و اغضب ممن يشكك بالحرية و التطور والازدهار الموعود، و اجادل من يطعن بشرف المعارضة العراقية و اعتبرهم من المثقفين حملة الشهادات و الغيورين على بلدهم، هم الكفاءات التي ستنتشل العراق من القهر والحرمان و الظلم البعثي الى شمس الحرية وان مستقبلا زاهرا و سنوات شباب جميلة و واعدة بانتظاري!!!

أذكر انني دخلت في نقاش مع جدي الرجل الكبير في السن الذي كان في عقد الثمانين من عمره وكان ضابطا كبيرا في الجيش العراقي في منذ العهد الملكي و تسنم مناصب قيادية في عهد عبد الكريم قاسم الى ان احيل الى التقاعد عند مجيء البعثيين و سجنوه و تهددت حياته في انقلاب 1963، كان يكره البعثيين ويبكي على صديقه عبد الكريم قاسم عندما تأتي سيرته، لكنه قال منذ اليوم الاول لحرب 2003 بان ما يحصل خطأ وان المعارضة العراقية الحالية هي حفنة من اللصوص والشراذم التابعين لاجندات دول معينة ولا يهمهم العراق وان القادم سيكون اسود، قال ان هؤلاء اصبحوا يحملون جنسيات دول اخرى واقسموا الولاء لخدمة أوطانهم الجديدة، جادلته بافكاري الغبية و دافعت عما حصل و عن الشخصيات “اللامعة” في المعارضة العراقية، ما كان لجدي الا ان يبتسم و اكتفى بالسكوت، ولم اكن اتوقع انني سأظل طول عمري اذكر هذا الوجه الحكيم الطاعن في السن الذي ابتسم وترك الامر لي لكي افهمه على طريقتي الخاصة… طريقتي الغبية بعد 10 سنوات !!!

 

كم كنت غبيا، كم كنت ساذجا، اتمنى ان يعود بي الزمان الى الوراء لاغير من قناعاتي، أخجل من نفسي عندما اتذكر تفاصيل تلك الايام و الحماس الذي سيطر علي، صحيح انني كنت صغير السن لكن اعتبر نفسي انني كنت ناضجا، الوم نفسي و الوم الوسط الذي عشت فيه لانه وقع ايضا ضحية للتضليل الاعلامي، لا أعرف كيف اعوض عن قناعاتي التافهة سوى بالكتابة و فضح الافكار المخجلة التي كنت احملها. تخيلوا ان الامر استغرق مني عشر سنوات كاملة لكي اصحوا من غفلتي و نومي العميق، فرحت بالموبايل و الستلايت و كماليات الحياة التي حرمنا منها في طفولتنا في فترة التسعينات، ذهبت وشاركت في جميع الانتخابات التي حصلت في العراق ماعدا الانتخابات الاخيرة حيث كانت قد بدأت اعراض التحول الفكري لدي.
من 2003 وحتى 2013 هي المدة التي استغرقتني لمعرفة الوهم الكبير الذي كنت اعيشه، لا اعرف كيف سأغسل ضميري الذي اتسخ بهذه الافكار على الرغم من انني لم اؤذي احدا في حياتي كلها، لكن يبقى هناك شعور بالذنب بسبب الافكار الخاطئة التي اعتنقتها لمدة ليست بالقصيرة. لكن مع ذلك انا اعتبرها مراحل للنضوج الفكري لا بد ان يمر به الانسان.

والى جزء اخر من اوراق الندم في حياتي الذي سوف اتحدث فيه عن المعارضة العراقية سابقا حكام العراق الجديد حاليا و صدام ونظامه و قناعاتي عما حصل للعراق منذ السبعينات وحتى اليوم.


بواسطة : مصطفى الفارس

عن مصطفى الفارس

مهندس علماني من الطبقة الوسطى أؤمن بأن لي مطلق الحرية في التفكير والنقد وعدم السماح لما هو مقدس عند البعض بالتحكم في مصيري. في اوقات فراغي أكتب بعض المواضيع و اترجم بعضها و أنشرها في هذه المدونة وغيرها من الاماكن. للتواصل يمكن استعمال البريد الالكتروني وشبكة التويتر.

2 تعليقان

  1. محمود عابر سبيل

    المهم انك صحيت حتى لو متأخرا، كلنا انخدعنا بالماكنة الاعلامية الرهيبة وانا اليوم لا اثق بأي شيء ينقله الاعلام خصوصا في الوقت الراهن، كله كذب في كذب.

رأيك مهم - اترك تعليق

%d مدونون معجبون بهذه: