# عندما يتحطم الوطن على صخرة الأحقاد

بتاريخ: 2017-10-26
عدد التعليقات على الموضوع: 14

نظرة سريعة على التاريخ الحديث للمنطقة والعراق تحديدا تعطينا فكرة واضحة عن حقيقة الدور الإيراني السلبي في العراق، ونظرا لأن العراقيين مشهورين ب (عقل السمكة) الذي لا يتذكر الأحداث الماضية ويكتفي بالواقع، سأقوم بجرد حساب لما فعلته الحكومات الإيرانية المتعاقبة مع الدولة الحديثة الناشئة التي سمّيت بالعراق، بعيدا عن الصراعات التاريخية الصفوية العثمانية، فما يهمني هو التاريخ الحديث من بعد الحرب العالمية الأولى ونشوء الدولة العراقية.

لم تنشأ علاقة صحّية مابين البلدين مطلقا وفق مبدأ التعايش والإحترام، فالجار الإيراني كان مستمر بنظرته الإستعلائية تجاه العراق، ففي عام 1921 وعند تأسيس الدولة العراقية تحت الحكم الملكي، لم تعترف إيران بها إلّا بعد ثمان سنين رغم كل محاولات التطبيع وتليين المواقف من قبل الحكومة العراقية ورغم زيارة الملك فيصل إلى ايران في عام 1932. إستمرت إيران بالضغوطات الشديدة على العراق حتى إضطر إلى التنازل عن سيادته والموافقة على جعل منتصف شط العرب حدا فاصلا مابين البلدين في 1937.

يظن العراقيون بأن نشأة المشاكل مع الجار هو مع تسلم البعثيين وصدام الحكم، فهل هذا صحيح؟

إستمرت إيران بدعم جميع الحركات الإنفصالية وإثارة روح التمرد، الفتن والإضطرابات داخل العراق وأهمها الحركة الإنفصالية الكردية في الشمال، وعند قيام إنقلاب 14 تموز 1958، إتهم العراق إيران بعدم إحترام سيادة البلد والتدخل السافر في شؤونه، أعلن العراق حينها إن إتفاقية 1937 غير مقبولة وغير منصفة.

أقتبس هنا هذه السطور من ويكيبيديا العربية:

فسخت إيران من جانب واحد معاهدة عام 1937 الخاصة باقتسام مياه شط العرب. فبعد انسحاب العراق من حلف بغداد في أعقاب ثورة 1958 مارس نظام الشاه في إيران نشاطاً تخريبياً واسعاً ضد الجمهورية العراقية مدعوما من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي هذا السياق فسخت إيران في 19 أبريل 1969 معاهدة الحدود الإيرانية العراقية 1937 ورسمت من جانب واحد حدوداً على شط العرب. المعاهدة المذكورة تنص على ان الحدود بين إيران والعراق في المنطقة تمتد أساسا على الضفة الإيرانية لشط العرب وأن العراق يسيطر على كامل مجرى النهر الملاحي، ماعدا بعض الأماكن المعينة. وأعلن العراق أن فسخ المعاهدة من قبل إيران خرق صارخ للقانون الدولي. وبعد أسبوع دخلت سفينة تحمل العلم الإيراني المياه العراقية دون أن تدفع الرسوم المقررة. وبعد ذلك نشر كلا البلدين قواتهما على امتداد شط العرب.

العلم العراقي والايراني

مرّت السنين وإستمر الدعم الإيراني بالمال والسلاح للحركات الإنفصالية والتمرد الكردي بشكل كبير، حيث كان الجيش العراقي يخوض حروبا طاحنة في الشمال من أجل الحفاظ على وحدة البلد، حينها قامت الحكومة العراقية وللمرة الثانية بالتنازل وعقد إتفاقية الجزائر عام 1975 مع إيران التي بموجبها تم تحديد منتصف شط العرب كحد فاصل بين البلدين والمقابل كان أن تكف إيران يدها عن دعم المسلحين الأكراد وإغلاق حدودها بوجه المتمردين، وهو ماكان سببا لحالة مؤقتة من الإستقرار والإزدهار للعراق عندما توجه نحو التنمية بدل الإنشغال بضرب التمرد، وكانت هذه هي فترة السبعينات الأجمل في تاريخ العراق.

زخم هائل من التدخلات السلبية

السياسات الإيرانية أدت إلى إنتهاج العراق سياسات مقابلة للتعامل بالمثل وهو ما أدى إلى دخول الصراع مرحلة جديدة وهي مرحلة اللاعودة الى أن ينتهي أحد الطرفين، وإنتهت فعلا بتحطم العراق على صخرة الحقد الإيراني. أعتقد أن الدور الإيراني كان دور حاسم ورئيسي في فشل مشروع الدولة العراقية بالإضافة إلى تفكك النسيج الوطني وصعوبة تحقق التعايش المشترك مابين المكونات المختلفة. دعم إيران المتواصل لحركات الإنفصال والتمرد والفتن في العراق ومارافقه من إجراءات إتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة للحفاظ على الأمن ومعاقبة المتمردين الذين تدعمهم إيران، كل هذا أدى إلى إنعدام أجواء الثقة والإنسجام مابين الشعب والحكومات، وبالتالي تنامي مشاعر الكراهية والحقد مابين مكونات الشعب نفسه المنقسم مابين مؤيد للحكومات والمعارض لها.

الخميني وصدام

مجنونا الحرب الخميني وصدام

هذه هي سياسة إيران التي لم تتغير بتغير حكوماتها، فمابين إيران البهلوية العلمانية تحت حكم الشاه، إلى إيران الإسلامية الخمينية منذ الثمانينات، إستمرت إيران بدعم مجموعات التمرد بالأموال والسلاح والتدريب والعوامل اللوجستية، فنجدها تدعم الأكراد ضد سلطة الدولة في الخمسينات، الستينات والسبعينات، إلى دعم مجموعات شيعية أنشأتها وإحتضنتها في الثمانينات واليوم تدعم الشيعة ضد الأكراد وهكذا دواليك، فلم تعط إيران فسحة للعراق بأن يأخذ أنفاسه تحت هذا الزخم الهائل من التخريب وسياسة فرّق تسد. هذه السياسة التي دخلت مرحلة جديدة بعد أن تسلّم الحكم إثنان من مجانين العنف في كلا البلدين في نفس العام في 1979 وبنفس طريقة الإنقلاب، إنهما الخميني وصدّام بطلا حرب الثمان سنوات التي أخفت من الوجود مزارع النخيل الجميلة الشاسعة وأدخلت إلى الشعب العراقي مفاهيم وسلوكيات سيئة لم تكن مألوفة من قبل، والأدهى دقت أسافين من الكراهية والتفرقة بين جميع المكونات بدون إستثناء. هذه الحرب ملأت البلدين بالدماء وكانت ضربة كبيرة لواحدة من أساسات الدولة العراقية وهو تعايش المكونات مع بعضها.

التاريخ المشوّه الذي بقي ظله يطل علينا هو السبب

من جديد لن أغوص إلى جذور هذا الحقد المتأصل الذي يرجع إلى سبب رئيسي برأيي وهو الإسلام، ألذي حطّم الدولة الفارسية ومحى هويتهم وحضارتهم بهمجية من الوجود ومارس التمييز مابين العرب وغير العرب مما أوجد هذه النزعه الكبيرة للإنتقام بين أوساط البسطاء والفلاحين. لكن أحببت أن أفكر بصوت عالي بخصوص إنتهاء حقبة الدولة العراقية الحديثة وإنتهاء فكرة التعايش المشترك مابين المكونات التي تسكن في أرض العراق. وبهذا أستطيع القول بأن سبب فشل التجربة العراقية الحديثة برمتها تعود إلى الدور الإيراني بالدرجة الأساس، وإستغلالها للمذهب الشيعي لفرض سيطرتها على العراق والمنطقة.

إقرأ أيضا: كيف مسح المسلمون الديانة الزرادشتية من بلاد فارس

لمحات تاريخية:

  • كانت إيران أكثر دول الجوار عداءا للعراق أيام حكم الشاه، حيث عجز ملوك العراق وقادته على مر السنين الطويلة من أن يجدوا وسيلة لإرضاء هذا الجار وفق مبدأ تبادل المنافع.
  • في عام 1925 إحتلت إيران محافظة الأحواز من العراق بأمر مباشر من الشاه.
  • دعمت إيران الأكراد بالمال والسلاح وفتحت لهم الحدود ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، وهو سبب مباشر لما نراه اليوم من عدم وجود فكرة أي تعايش مشترك ضمن بلد واحد مابين الأكراد والعرب في العراق.
  • دعمت إيران مجموعات شيعية أنشأتها ومولتها بالمال والسلاح والمأوى ضد الحكم بالعراق منذ الثمانينات حتى سقوط بغداد في 2003.
  • تطالب إيران من العراق برقم خيالي من التعويضات (100 مليار دولار).
  • تتجاوز إيران على حقول نفطية عراقية تقع على الحدود مابين البلدين.
  • منذ 2003 تدعم إيران ماليا وعسكريا المجاميع والأحزاب الشيعية التي إستلمت الحكم بعد سقوط بغداد ضد السنة والأكراد، حيث تقود إيران وأحزابها المجهود الحربي ضد حلفاء (ورقة) الأمس الأكراد بعد إجراء إستفتائهم بإنفصال كردستان.
  • لدى إيران اليوم في العراق العشرات من الأحزاب والميليشيات التي أنشأتها ودرّبتها ومولتها بالمال والسلاح ووفرت لها الغطاء السياسي منذ الثمانينات ولغاية هذه اللحظة، أبرزها المجلس الأعلى، حزب الدعوة، عصائب أهل الحق، حزب الله…

 

التوقيع الخاص ب مصطفى الفارس
الصورة الرمزية الخاصة ب مصطفى الفارس

عن الكاتب: مصطفى الفارس

إنسان قبل أي انتماء آخر، مهندس علماني من الطبقة الوسطى أعشق موسيقى الجاز وأتقن ثلاث لغات بشرية بالإضافة الى خمس لغات برمجية، على قناعة تامة بأن لي مطلق الحرية في التفكير والنقد وعدم السماح لما هو مقدس عند البعض بالتحكم في مصيري. في اوقات فراغي أكتب بعض المواضيع و أنشرها في هذه المدونة وغيرها من الاماكن. للتواصل يمكن استخدام البريد الالكتروني.
من هواياتي البرمجة، السفر، التصوير، الترجمة، إنشاء و إدارة المواقع الالكترونية ثم كتابة المواضيع فيها.

البريد الألكتروني: alfarisweb [at] gmail [dot] com

تويتر: enlfriends