# نعم هناك حرب ما بين العلم و الدين

بتاريخ: 2019-08-04
عدد التعليقات على الموضوع: 2

مع توجه الغرب نحو العلمانية أكثر فأكثر، و مع الإكتشافات العظيمة في مجال التطور الأحيائي و علوم الفلك، تقلصت حدود الإيمان بشكل دراماتيكي خلال هذه الفترة الزمنية مما أدى الى تزايد الصراخ و العويل الديني الذي يقول بتوافق العلم مع الدين، بل تزداد الوقاحة إلى حد الزعم بأن العلم في الأساس يستمد مبادئه من الدين.

(ليس العلم فقط مستهدف بل الأخلاق أيضا، إقرأ أيضا : هل الدين مصدر الأخلاق؟)

لو كنت مؤمنا و لا تريد ان يراك الاخرون بأنك ضد العلم و التطور، ماذا ستفعل؟ في هذه الحالة لا خيار أمامك سوى القول بأن دينك - او اي دين - هو متطابق بشكل ممتاز مع العلم. وها نحن نرى مزاعم تلو المزاعم من المؤمنين، العلماء المتدينين و المنظمات العلمية التي تتلقى تمويلا من جهات متدينة، كلهم يزعمون ليس فقط ان العلم و الدين متوافقان مع بعض، بل ايضا يتممان و يساعدان بعضهما الاخر.

أنا هنا اقول بان هذا كله تضليل، و اقول بأن العلم و الدين ليسا فقط غير متوافقين - بل في حالة حرب - و يمثلان طرق مختلفة لرؤية العالم.

ماهي طرق العلم و طرق الدين ؟

العلم هو مجموعة من الادوات نستخدمها لمعرفة حقيقة ما في هذا الكون، مع مراعات ان هذه الحقيقة هي مؤقتة قابلة للتمحيص و ليست حقيقة مطلقة مؤكدة. هذه الادوات تتضمن مراقبة الطبيعة، اختبار الفرضيات و بذل اقصى ما يمكن لاثبات ان هذه الفرضيات هي خاطئة من اجل اختبار الثقة بانها صحيحة، بالاضافة الى اجراء التجارب و فوق كل هذا تكرار النتائج لزيادة الموثوقية بالنتيجة.

بينما في الجهة الاخرى يقف الدين و الذي هو عبارة عن نظام اجتماعي يقوم اتباعه بقسم الولاء لعنصر خارق للطبيعة والذي يتم البحث عن رضاه و موافقته. بالطبع ليست جميع الاديان (وهي بالالاف) تندرج بالضرورة تحت هذا التعريف، لكن اكثر الاصوات صياحا حول مطابقة الدين مع العلم هم اتباع الاديان الابراهيمية (المسيحية، الاسلام و اليهودية) والتي ينطبق عليها هذا التعريف بشكل ممتاز.

يجب ان نفهم ان كلا من العلم و الدين يستندان الى مجموعة من القناعات المختلفة حول الكون. وجهة نظر الدين حول هذا الموضوع تختلف عن العلم باستنادها على عوامل العصا و الجزرة، فلا يستطيع شخص يصف نفسه بالمسيحي اذا كان لا يصدق قيامة يسوع من جديد، ولا مسلم اذا كان لا يصدق ان محمد طار على بغلة مجنحة في الاسراء و المعراج، ولا يهودي اذا كان لا يصدق باحداث بقاء اسلافه في الصحراء!!.

 كيف يستطيع المؤمن قبول مبدأ العلم المتمثل بان كل شيء قابل للتمحيص و الخطأ بينما يؤمن بالمطلق بصحة تعاليم دينه؟

يقول الانجيل: "لو لم يكن هناك قيامة للاموات، فهذا يعني ان يسوع لن يبعث من جديد، وهذا يعني ان معتقداتنا خاطئة و ايمانك خاطيء بالنتيجة".

يقول القران: "وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا".

الاختلاف مابين الدين و العلم يستند على الوسائل و الطرق التي يتم استخدامها لبيان الحقيقة، و ما هي النتيجة لهذه الحقيقة: وبهذا يكون الاختلاف عميقا على الصعيد المنهجي و على صعيد المحصلة النهائية. فعلى النقيض من وسائل العلم، يقوم الدين بالحكم على الحقيقة ليس على اساس تجريبي، بل على اساس العقيدة، النصوص المقدسة و السلطة المنوطة بالاله، يمعنى اخر: عن طريق "الايمان" بدون الحاجة للبحث عن دليل، وهذا ينطبق تقريبا على اغلب ال 4000 ديانة الموجودة حاليا على كوكبنا، والتي يدعي كل منها انه على الصواب.

في الوقت الذي يحقق العلم الانجاز تلو الانجاز على صعيد فهم الكون، تبقى طريقة الدين باستخدام الايمان المطلق خالية اليدين من ناحية اثبات ما يتم ادعاءه. كم اله يوجد؟ ما هي طبيعتهم و قيمهم الاخلاقية؟ هل يوجد هناك ما بعد الحياة؟ لماذا توجد كل هذه الشرور؟ لا توجد هنا اجابة واحدة صريحة لاي واحد من هذه الاسئلة، كلها الغاز، كلها تستند على الايمان.

بناءا على هذه المعطيات، نستطيع القول بان الحرب ما بين العلم و الدين هي في الحقيقة الاختلاف مابين جمعنا للاسباب الجيدة التي تجعلنا نصدق موضوع معين، وما بين الايمان بان هذا الموضوع هو كما مذكور في النصوص المقدسة.

التوقيع الخاص ب مصطفى الفارس

عن الكاتب: مصطفى الفارس

إنسان قبل أي انتماء آخر، مهندس علماني من الطبقة الوسطى أعشق موسيقى الجاز وأتقن ثلاث لغات بشرية بالإضافة الى خمس لغات برمجية، على قناعة تامة بأن لي مطلق الحرية في التفكير والنقد وعدم السماح لما هو مقدس عند البعض بالتحكم في مصيري. في اوقات فراغي أكتب بعض المواضيع و أنشرها في هذه المدونة وغيرها من الاماكن. للتواصل يمكن استخدام البريد الالكتروني.
من هواياتي البرمجة، السفر، التصوير، الترجمة، إنشاء و إدارة المواقع الالكترونية ثم كتابة المواضيع فيها.

البريد الألكتروني: [email protected]

تويتر: @enlcafe